يوسف زيدان
86
إعادة اكتشاف ابن نفيس
الحجّة الأولى : البدن مركب من أجزاء ، أماكنها الطبيعية متباينة ، واجتماعها بالقسر . والقسر لا يمكن أن يدوم ، فإذا زال القاسر ، تفرّقت الأجزاء بالضرورة . الحجّة الثانية : البدن لا يمكن تركّبه « 1 » ، إلا من جسم رطب مقارن لحرارة . فيجب أن يتبخّر بالضرورة ، كما بيّنّاه في البحث المتقدّم « 2 » ، لكن الغذاء يقوم مقام ما يتحلّل منه ، والغذاء إنما يكون بجسم يرد من خارج البدن ، والأجسام التي في الخارج ، إنما تغدو « 3 » البدن ، بأن تستحيل إلى مشابهته ، وذلك إنما يكون بقوى من شأنها أنها تفعل ذلك « 4 » ، وتلك القوى قد برهنّا في الحكمة على أنها قوى جسمانية ، والقوى الجسمانية أفعالها لا بدّ وأن تكون متناهية ، فيكون إيرادها لبدل المتحلّل متناهيا منقطعا . وحينئذ ، يستولى الجفاف بالضرورة ، ويخرج البدن عن صلوحه للحياة « 5 » . الحجّة الثالثة « 6 » : بقاء البدن بدون الغذاء محال . . وذلك يحوج إلى قوة غاذية ، والقوة الغاذية إنما تفعل بآلة ، هي الحرارة الغريزيّة ، على ما برهنّاه في الحكمة ، والحرارة ، لا محالة ، محلّلة للرطوبات البدنية . فإذا طال الزمان ، قوى تحليلها لتلك الرطوبات ، ولا يقوى إيرادها للغذاء ، وذلك مؤدّ إلى الجفاف لا محالة ؛ فيلزم ذلك الموت . وإنما قلنا « 7 » إن الزمان إذا طال ، قوى تحليلها لتلك الرطوبات لوجهين . . أحدهما أن المحلّل يكون قد طالت ملاقاته للتحليل ، والسبب كلما دام ، قوى فعله . وثانيهما أن المحلّل أولا ، كان يفعل في مادة كثيرة ، فإذا تحلّل بعض المادة ، قلّت ؛
--> ( 1 ) ب : تركيبه . ( 2 ) يشير ابن النفيس هنا إلى قوله في الكتاب نفسه : ومهما اقترنت الحرارة بالرطوبة ، تبخّرت الرطوبة لا محالة ، إذ لو كانت بحيث لا تنفعل عن الحرارة بالكلية ، لكانت مستولية عليها جدّا ، فكانت تغمرها وتطفئها . ( 3 ) في النسختين : تغذوا . ( 4 ) يشير ابن النفيس هنا إلى القوة الغاذية وأفعال الجهاز الهضمى . ( 5 ) في النسختين : للحيوة . ( 6 ) في النسختين : وثالثها . ( 7 ) مع أن ابن النفيس يشرح في هذا الكتاب كليات قانون ابن سينا ، إلّا أنه ابتداء من هذه الفقرة ، سوف يجعل من عباراته متنا يتولّى شرحه ، فيصير لدينا متن وشرح ، داخل متن وشرح !